النووي
48
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إِذَا ثَبَتَتِ الْإِمَامَةُ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ ، فَجَاءَ آخَرُ ، فَقَهَرَهُ ، انْعَزَلَ الْأَوَّلُ ، وَصَارَ الْقَاهِرُ الثَّانِي إِمَامًا . الرَّابِعَةُ : لَا يَجُوزُ خَلْعُ الْإِمَامِ بِلَا سَبَبٍ ، فَلَوْ خَلَعُوهُ ، لَمْ يَنْخَلِعْ ، وَلَوْ خَلَعَ الْإِمَامُ نَفْسَهُ ، نُظِرَ ، إِنْ خَلَعَ لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لِهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِمَا ، انْعَزَلَ ، ثُمَّ إِنْ وَلَّى غَيْرَهُ قَبْلَ عَزْلِ نَفْسِهِ ، انْعَقَدَتْ وِلَايَتُهُ ، وَإِلَّا فَيُبَايِعُ النَّاسُ غَيْرَهُ ، وَإِنْ عَزَلَ نَفْسَهُ بِلَا عُذْرٍ ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ : أَصَحُّهَا : لَا يَنْعَزِلُ ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ « الْبَيَانِ » وَغَيْرُهُ ، وَالثَّانِي : يَنْعَزِلُ ; لِأَنَّ إِلْزَامَهُ الِاسْتِمْرَارَ قَدْ يَضُرُّ بِهِ فِي آخِرَتِهِ وَدُنْيَاهُ ، وَالثَّالِثُ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ : إِنْ لَمْ يَظْهَرْ عُذْرٌ ، فَعَزَلَ نَفْسَهُ وَلَمْ يُوَلِّ غَيْرَهُ ، أَوْ وَلَّى مَنْ هُوَ دُونَهُ ، لَمْ يَنْعَزِلْ ، وَإِنْ وَلَّى مِثْلَهُ ، أَوْ أَفْضَلَ ، فَفِي الِانْعِزَالِ وَجْهَانِ ، وَهَلْ لِلْإِمَامِ عَزْلُ وَلِيِّ الْعَهْدِ ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي : نَعَمْ ، وَالْمَاوَرْدِيُّ : لَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ نَائِبًا لَهُ بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ . قُلْتُ : قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ أَصَحُّ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : فَلَوْ عَزَلَهُ الْإِمَامُ ، وَعَهِدَ إِلَى ثَانٍ ، ثُمَّ عَزَلَ الْمَعْهُودَ إِلَيْهِ أَوَّلًا نَفْسَهُ ، فَعَهْدُ الثَّانِي بَاطِلٌ ، وَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِئْنَافِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْخَامِسَةُ : سَبَقَ فِي بَابِ الْأَوْصِيَاءِ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِالْإِغْمَاءِ ; لِأَنَّهُ مُتَوَقَّعُ الزَّوَالِ ، وَيَنْعَزِلُ بِالْمَرَضِ الَّذِي يُنْسِيهِ الْعُلُومَ ، وَبِالْجُنُونِ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : فَلَوْ كَانَ يُجَنُّ وَيَفِيقُ ، وَزَمَنُ الْإِفَاقَةِ أَكْثَرُ ، وَيُمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ بِالْأُمُورِ ، لَمْ يَنْعَزِلْ ، وَيَنْعَزِلُ بِالْعَمَى وَالصَّمَمِ وَالْخَرَسِ ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِثِقَلِ السَّمْعِ ، وَتَمْتَمَةِ اللِّسَانِ ، وَفِي مَنْعِهِمَا ابْتِدَاءَ الْوِلَايَةِ خِلَافٌ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَطْعَ إِحْدَى الْيَدَيْنِ أَوِ الرِّجْلَيْنِ ، لَا يُؤَثِّرُ فِي الدَّوَامِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .